فصل: قال سيد قطب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ورواه الترمذي عن أبي الدرداء بلفظ «من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال». قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وكذلك وردت تسميتها عن البراء بن عازب في صحيح البخاري. قال: «كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو، وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن».
وفي حديث أخرجه ابن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه سماها سورة أصحاب الكهف».
وهي مكية بالاتفاق كما حكاه ابن عطية.
قال: وروي عن فرقد أن أول السورة إلى قوله: {جُرُزًا} نزل بالمدينة، قال: والأول أصح.
وقيل قوله: {وَاصْبِرْ نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف: 28] نزلتا بالمدينة، وقيل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107] إلى آخر السورة نزل بالمدينة.
وكل ذلك ضعيف كما سيأتي التنبيه عليه في مواضعه.
نزلت بعد سورة الغاشية وقبل سورة الشورى.
وهي الثامنة والستون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد.
وقد ورد في فضلها أحاديث متفاوتة أصحها الأحاديث المتقدمة.
وهي من السور التي نزلت جملة واحدة.
روى الديلمي في سند الفردوس عن أنس قال: نزلت سورة الكهف جملة معها سبعون ألفا من الملائكة.
وقد أغفل هذا صاحب الإتقان.
وعدت آيها في عدد قراء المدينة ومكة مائة وخمسا، وفي عدد قراء الشام مائة وستا، وفي عدد قراء البصرة مائة وإحدى عشرة، وفي عد قراء الكوفة مائة وعشرا، بناء على اختلافهم في تقسيم بعض الآيات إلى آيتين.
وسبب نزولها ما ذكره كثير من المفسرين، وبسطه ابن إسحاق في سيرته بدون سند، وأسنده الطبري إلى ابن عباس بسند فيه رجل مجهول: «أن المشركين لما أهمهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وازدياد المسلمين معه وكثر تساؤل الوافدين إلى مكة من قبائل العرب عن أمر دعوته، بعثوا النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة يثرب يسألونهم رأيهم في دعوته، وهم يطمعون أن يجد لهم الأحبار ما لم يهتدوا إليه مما يوجهون به تكذيبهم إياه قالوا: فإن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء أي صفاتهم وعلاماتهم علم ليس عندنا، فقدم النضر وعقبة إلى المدينة ووصفا لليهود دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراهم ببعض قوله فقال لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث؟ فإن أخبركم بهن فهو نبئ وإن لم يفعل فالرجل متقول، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وسلوه عن الروح ما هي؟ فرجع النضر وعقبة فأخبرا قريشا بما قاله أحبار اليهود، فجاء جمع من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن هذه الثلاثة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم عنه غدا وهو ينتظر وقت نزول الوحي عليه بحسب عادة يعلمها. ولم يقل: إن شاء الله فمكث رسول الله ثلاثة أيام لا يوحى إليه، وقال ابن إسحاق: خمسة عشر يوما، فأرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا اليوم عدة أيام لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، حتى أحزن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه، ثم جاءه جبريل عليه السلام بسورة الكهف وفيها جوابهم عن الفتية وهم أهل الكهف، وعن الرجل الطواف وهو ذو القرنين. وأنزل عليه فيما سألوه من أمر الروح {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الاسراء: 85] في سورة الإسراء».
قال السهيلي: وفي رواية عن ابن إسحاق من غير طريق البكائي أي زياد ابن عبد الله البكائي الذي يروي عنه ابن هشام أنه قال في هذا الخبر: «فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو- أي الروح- جبريل».
وهذا خلاف ما روى غيره أن يهود قالت لقريش: سلوه عن الروح فإن أخبركم به فليس بنبئ وإن لم يخبركم به فهو نبي. ا هـ.
وأقول: قد يجمع بين الروايتين بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أجابهم عن أمر الروح بقوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الاسراء: 85] بحسب ما عنوه بالروح عدل بهم إلى الجواب عن أمر كان أولى لهم العلم به وهو الروح الذي تكرر ذكره في القرآن مثل قوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] وقوله: {وَالرُّوحُ فيهَا} [القدر: 4] وهو من ألقاب جبريل على طريقة الأسلوب الحكيم مع ما فيه من الإغاظة لليهود، لأنهم أعداء جبريل كما أشار إليه قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} [البقرة: 97] الآية.
ووضحه حديث عبد الله ابن سلام في قوله للنبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر جبريل عليه السلام ذاك عدو اليهود من الملائكة فلم يترك النبي صلى الله عليه وسلم لهم منفذا قد يلقون منه التشكيك على قريش إلا سده عليهم.
وقد يعترضك هنا: أن الآية التي نزلت في أمر الروح هي من سورة الإسراء فلم تكن مقارنة للآية النازلة في شان الفنية وشأن الرجل الطواف فماذا فرق بين الآيتين، وأن سورة الإسراء يروي أنها نزلت قبل سورة الكهف فإنها معدودة سادسة وخمسين في عداد نزول السور، وسورة الكهف معدودة ثامنة وستين في النزول.
وقد يجاب عن هذا بأن آية الروح قد تكون نزلت على أن تلحق بسورة الإسراء فإنها نزلت في أسلوب سورة الإسراء وعلى مثل فواصلها، ولأن الجواب فيها جواب بتفويض العلم إلى الله، وهو مقام يقتضي الإيجاز، بخلاف الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين فإنه يستدعي بسطا وإطنابا ففرقت آية الروح عن القصتين.
على أنه يجوز أن يكون نزول سورة الإسراء مستمرا إلى وقت نزول سورة الكهف، فأنزل قرآن موزع عليها وعلى سورة الكهف.
وهذا على أحد تأويلين في معنى كون الروح من أمر ربي كما تقدم في سورة الإسراء.
والذي عليه جمهور الرواة أن آية {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الاسراء: 85] مكية إلا ما روي عن ابن مسعود.
وقد علمت تأويله في سورة الإسراء.
فاتضح من هذا أن أهم غرض نزلت فيه سورة الكهف هو بيان قصة أصحاب الكهف، وقصة ذي القرنين.
وقد ذكرت أولاهما في أول السورة وذكرت الأخرى في آخرها.
كرامة قرآنية:
لوضع هذه السورة على هذا الترتيب في المصحف مناسبة حسنة ألهم الله إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رتبوا المصحف فإنها تقارب نصف المصحف إذ كان في أوائلها موضع قيل هو نصف حروف القرآن وهو التاء من قوله تعالى: {وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف: 19] وقيل نصف حروف القرآن وهو النون من قوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74] في أثنائها، وهو نهاية خمسة عشر جزءا من أجزاء القرآن وذلك نصف أجزائه، وهو قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 75]، فجعلت هذه السورة في مكان قرابة نصف المصحف.
وهي مفتتحة بالحمد حتى يكون افتتاح النصف الثاني من القرآن ب {الْحَمْدُ لِلَّهِ} كما كان افتتاح النصف الأول ب {الْحَمْدُ لِلَّهِ}.
وكما كان أول الربع الرابع منه تقريبا ب {الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 1].
أغراض السورة:
افتتحت بالتحميد على إنزال الكتاب للتنويه بالقرآن تطاولا من الله تعالى على المشركين وملقنيهم من أهل الكتاب.
وأدمج فيه إنذار المعاندين الذين نسبوا لله ولدا، وبشارة للمؤمنين، وتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أقوالهم حين تريث الوحي لما اقتضته سنة الله مع أوليائه من إظهار عتبه على الغفلة عن مراعاة الآداب الكاملة.
وذكر افتتان المشركين بالحياة الدنيا وزينتها وأنها لا تكسب النفوس تزكية.
وانتقل إلى خبر أصحاب الكهف المسؤول عنه.
وحذرهم من الشيطان وعداوته لبني آدم ليكونوا على حذر من كيده.
وقدم لقصة ذي القرنين قصة أهم منها وهي قصة موسى والخضر عليهما السلام، لأن كلتا القصتين تشابهتا في السفر لغرض شريف.
فذو القرنين خرج لبسط سلطانه على الأرض، وموسى عليه السلام خرج في طلب العلم.
وفي ذكر قصة موسى تعريض بأحبار بني إسرائيل إذ تهمموا بخبر ملك من غير قومهم ولا من أهل دينهم ونسوا خبرا من سيرة نبيهم.
وتخلل ذلك مستطردات من إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته.
وأن الحق فيما أخبر به، وأن أصحابه الملازمين له خير من صناديد المشركين، ومن الوعد والوعيد، وتمثيل المؤمن والكافر، وتمثيل الحياة الدنيا وانقضائها، وما يعقبها من البعث والحشر، والتذكير بعواقب الأمم الدنيا وانقضائها، وما يعقبها من البعث والحشر، والتذكير بعواقب الأمم المكذبة للرسل، وما ختمت به من إبطال الشرك ووعيد أهله؛ ووعد المؤمنين بضدهم، والتمثيل لسعة علم الله تعالى.
وختمت بتقرير أن القرآن وحي من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فكان في هذا الختام محسن رد العجز على الصدر. اهـ.

.قال سيد قطب:

التعريف بسورة الكهف:
القصص هو العنصر الغالب في هذه السورة. ففي أولها تجيء قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة الجنتين، ثم إشارة إلى قصة آدم وإبليس. وفي وسطها تجيء قصة موسى مع العبد الصالح. وفي نهايتها قصة ذي القرنين. ويستغرق هذا القصص معظم آيات السورة، فهو وارد في إحدى وسبعين آية من عشر ومائة آية؛ ومعظم ما يتبقى من آيات السورة هو تعليق أو تعقيب على القصص فيها. وإلى جوار القصص بعض مشاهد القيامة، وبعضمشاهد الحياة التي تصور فكرة أو معنى، على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير.
أما المحور الموضوعي للسورة والذي ترتبط به موضوعاتها، ويدور حوله سياقها، فهو تصحيح العقيدة وتصحيح منهج النظر والفكر. وتصحيح القيم بميزان هذه العقيدة.
فأما تصحيح العقيدة فيقرره بدؤها وختامها.
في البدء: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوااتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا}.
وفي الختام: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}.
وهكذا يتساوق البدء والختام في إعلان الوحدانية وإنكار الشرك، وإثبات الوحي، والتمييز المطلق بين الذات الإلهية وذوات الحوادث.
ويلمس سياق السورة هذا الموضوع مرات كثيرة في صور شتى:
في قصة أصحاب الكهف يقول الفتية الذين آمنوا بربهم: ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها، لقد قلنا إذا شططا.
وفي التعقيب عليها: {ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا}..
وفي قصة الجنتين يقول الرجل المؤمن لصاحبه وهو يحاوره: أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا، لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا.
وفي التعقيب عليها: {ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا}.
وفي مشهد من مشاهد القيامة: {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا}.
وفي التعقيب على مشهد آخر: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا}.
أما تصحيح منهج الفكر والنظر فيتجلى في استنكار دعاوى المشركين الذين يقولون ما ليس لهم به علم، والذين لا يأتون على ما يقولون ببرهان. وفي توجيه الإنسان إلى أن يحكم بما يعلم ولا يتعداه، وما لا علم له به فليدع أمره إلى الله.
ففي مطلع السورة: {وينذر الذين قالوااتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم}.